البديل
اتفاق السلام.. خنجر مسموم في ظهر المقاومة
مثلت معاهدة “كامب ديفيد” التي وقعتها الإدارة المصرية مع الكيان الصهيوني عام 1979 بالتضاد مع اتجاه ورأي الأغلبية الساحقة من القوى الوطنية الحية في المجتمع المصري في ذلك الوقت من أحزاب وحركات سياسية وروابط مهنية ومجموعات ثقافية وطلاب جامعيين، وسط رفض عربي واسع بلغ في أحد مراحله مقاطعة عربية لمصر ونقل لمقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، مثلت انعطافة استراتيجية كبرى لمصر على جميع المستويات، وبمرور الأعوام توالت الكثير من التداعيات الكبرى لها، والتي، بطبيعة الحال، لم ترتبط فقط بمصر وإنما بكامل المحيط العربي، نظرا لحجم مصر ودورها الريادي الكبير في منطقة الشرق الأوسط وبين الأوطان العربية، تداعيات تناقضت بحدة مع ما حفل به السياق الإعلامي داخل مصر خلال مفاوضات كامب ديفيد من تصوير لمشروع المعاهدة على أنه جالب للرخاء الاقتصادي والتطور السياسي للمصريين، بالإضافة للترويج الواسع لكون التفاوض السياسي كوسيلة، ومن ثم توقيع المعاهدة، سيسهمان في دفع وكبح العدوان الصهيوني على الدول العربية.
بعد أعوام طويلة من “السلام” نجد أنفسنا أمام واقع موضوعي يطرح المزيد من التراجع في الوضع الداخلي المصري اقتصاديا وسياسيا، وتراجع مواز يصل إلى الانهيار للأمن القومي العربي لم يمنعه الاتجاه اللاحق لمنظمة التحرير الفلسطينية “فتح” إلى التفاوض و”الحل السلمي”، ولا الاتجاه العام لكل الأنظمة العربية – إلا قليلا – بعد الخطوة المصرية نحو مصالحة الكيان الصهيوني وإقامة علاقات طبيعية بل وعلاقات استراتيجية متينة معه.
الشكل الأول: تصفية نظرية الأمن القومي المصري
حملت المعاهدة تخليا كاملا عن نظرية الأمن القومي المصري، إذ تضمنت بنودها الفصل سياسيا بين مصر ومحيطها الجيو سياسي الطبيعي وذلك بالتأكيد على أن “السلام” خيار مصري “دائم” وغير قابل للتعديل، وهو التزام نادرا ما قبلته قيادة سياسية في التاريخ بهذا الشكل، فالطبيعي أن تسعى قيادة كل دولة إلى تنويع خياراتها والإبقاء على مساحة للتحرك القوي والضارب تحسبا للمتغيرات الدائمة التي يحملها الواقع بطبيعته وبحكم توالي الوقت.
فَرضت المعاهدة على الإدارات السياسية المصرية المتعاقبة ثوابت لم تتجه أي من تلك الإدارات إلى تعديلها تشمل نأي مصر بنفسها عن الاعتداءات الصهيونية والأمريكية على الشعوب والمجالات الجغرافية والاستراتيجية المحيطة بمصر، وبذلك تم تحجيم الدور المصري بشكل كبير ربما لم يسبق له التحقق منذ إجهاض مشروع “محمد علي” باتفاقية لندن عام 1840 والتي كان لها أثر بالغ على الحجم والثِقل الاستراتيجيين لمصر، إذ تضمنت تخفيض عدد الجيش المصري وتحديد تسليحه، فضلا عن انسحاب القوات المصرية من سوريا ومن شبه الجزيرة العربية وبالتالي تقليص نفوذ مصر في مجالها الحيوي الطبيعي، كذلك، كفلت كامب ديفيد نزع السلاح المصري من الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة “المنطقة ج” والحد منه كما وكيفا في المنطقتين “ب” و”أ”، دون أن تفرض على الطرف الآخر وهو الكيان الصهيوني شروطا مشابهة على الجانب الآخر من الحدود، فكانت الشروط المجردة من السيادة بشكل خطر ومهين من نصيب المصريين وحدهم في مقابل شروط رمزية على الجانب الصهيوني في نفس الإطار.
كفلت المعاهدة أيضا ما عُبر عنه بأنه “حرية الملاحة في الممرات الدولية” أي فقدان مصر لسيطرتها على قناة السويس وخليج العقبة مما يخصم كثيرا، ليس فقط من السيادة المصرية على المياه المصرية، ولكن أيضا وبشكل رئيسي من قوة مصر وقدرتها على بسط حد أدنى – فضلا عن حد متوسط أو أقصى – من النفوذ على مناطق بالغة الاستراتيجية، تكفل سيطرة أي عدو عليها تهديد مصر وشعبها في مقتل، فضلا عن تهديد الشعوب المحيطة وكامل المنطقة، بموجب كامب ديفيد تم الانتقاص من السيادة المصرية على البحر الأحمر فائق الأهمية كممر ملاحي تجاري دولي وكمجال حيوي مصري، الأمر الذي فتح الباب بعدها – مع توالي التراجع المصري الذي قابله صعود لأطراف أخرى – لوجود قواعد وقطع بحرية أمريكية وصهيونية وصينية وإماراتية وغيرها في مضيق باب المندب، مع تواجد لمصر هناك ظل رمزيا وطفيفا منذ توقيع المعاهدة بما لا يتناسب وحجم مصر وما يحدق بها من أخطار، إلى أن اُعلِن عن توسعته في العامين السابقين في إطار عملية عسكرية سعودية أصلا!
الشكل الثاني: تصفية أعداء الكيان الصهيوني
شهد مارس من عام 1978، أي خلال عملية التفاوض وقبل التوقيع بعام واحد، اجتياحا صهيواني محدودا للبنان استهدف الوصول لنهر الليطاني لضرب مرتكزات المقاومة الوطنية الفلسطينية المسلحة والقضاء على وجودها، في خطوة كان من الواضح تماما أنها اختبار صهيوني أخير لخيارات واتجاه الإدارة المصرية الجالسة على مائدة التفاوض والتي كان نجاحها في الاختبار مدوّيا بتشجيع “أنور السادات” للعدوان، بعد 4 أشهر فقط من زيارته للكنيست، وتأييده لضرب الفلسطينيين في العملية التي خلّفت 2000 شهيد فلسطيني ولبناني وتسببت في تهجير نحو 100 ألف مواطن وتدمير العديد من القرى اللبنانية، فضلا عما تبعها من تسليم القوات الصهيونية جنوب لبنان لميليشيات سعد حداد (المعروفة باسم جيش لحد الجنوبي) العميلة لها، بالمخالفة لقرار مجلس الأمن رقم 425 الذي نص على تشكيل “قوة دولية” تشرف على انسحاب صهيوني كامل.
على جانب آخر، لم تكن مصادفة أن يقوم الكيان الصهيوني خلال 3 أعوام تلت المعاهدة بهجومين كبيرين في إطار دوره كقاعدة متقدمة لقوى الاستعمار العالمي لم تلقَ الإدارة المصرية لهما بالا وأعلنا بوضوح عن ضعف مصري كامل وتصفية كانت آخذة في التعمق للأمن القومي المصري، كان أولهما قصف المفاعل النووي العراقي في يونيو 1981 أي قبل اتخاذ العراق لأي إجراءات عدوانية فعلية ناحية أي دولة عربية مجاورة، وثانيهما اجتياح لبنان بالكامل في يونيو 1982 وما ترتب عليه لاحقا من تصفية للمقاومة الفلسطينية التي أيد النظام المصري الاتجاه لتصفيتها في عملية الليطاني عام 78، وبدا الترحيب المصري قائما حتى ولو كان الثمن هو غزو دولة عربية بالكامل، وليس فقط القيام بعملية عسكرية محدودة في قطاع منها كما في عملية الليطاني السابقة لغزو 1982.
مثّلت “كامب ديفيد” منطلقا صهيونيا رئيسيا نحو القضاء على المقاومة الفلسطينية التي اضطرت إلى الخروج نحو تونس مع انحسار كامل لقدراتها التسليحية وفقدانها للعامل الأكثر جوهرية لأي حركة مقاومة وطنية، وهو الحيز الجغرافي بمعناه البسيط، مما مهّد الطريق لتحول “منظمة التحرير الفلسطينية” إلى “مقاومة رمزية” تفرغت للخطاب السياسي بلا قوة حقيقية وصولا إلى توقيع اتفاقية “اوسلو” عام 1993 واعترافها بالكيان الصهيوني، فالحقيقة أن انحسار المقاومة المنظمة والمسلحة للشعب الفلسطيني لم يكن سببا لتوقيع مصر لمعاهدة “كامب ديفيد” وإنما كان نتيجة لهذا التوقيع الذي أطلق اليد العسكرية الصهيونية لقتل وضرب من تشاء ممن حولها من شعوب وبلدان، مع إقرار وتعهد عام من الأنظمة العربية – إلا قليلا – باعتبار إعداد العدة لردع ذلك ومواجهته إرهابا وجنونا وخروجا عن الصف، على عكس التحسب له سلبيا أي بإلقاء السلاح وخفض القدرات والإمكانات والخيارات والانبطاح، الذي يُعتبر واقعية سياسية وذكاء بالغا.
The post اتفاق السلام.. خنجر مسموم في ظهر المقاومة appeared first on البديل.
ليست هناك تعليقات