الأربعاء، 17 مايو 2017

الاستعمارَين التركي والبريطاني مقدمة لنكبة 1948

البديل
الاستعمارَين التركي والبريطاني مقدمة لنكبة 1948

 

لعب الاستعمارين التركي والبريطاني دورا فاعلا في النكبة الفلسطينية، خدم بالطبع الكيان الصهيوني؛ بإضعاف الأنظمة العربية واستنزاف مواردها، ونشر ثقافة الجهل والتخلف لمصلحة المستعمر وأذرعه.

تركيا الكبرى.. مصيدة التخلف

نشأ الاستعمار التركي لعموم الشام على السياسات الاستعمارية التقليدية من حيث نهب الموارد وإزاحة الثروات نحو المركز المستعمِر، وعزز الأمر تخلف التشكيلة الاجتماعية للمنطقة آنذاك عن مقتضياته الحضارية العالمية، وذهب المستعمر نحو الرأسمالية، باستثناء حركة متطورة للتجارة ومن ثم طبقة متماسكة من التجار بحكم عوامل خصوصية الجغرافيا السياسية للشام، طبقة لم تستطع، لاسيما في وقوعها داخل قبضة الاستعمار، إنجاز مشروع للتحديث الاقتصادي والمجتمعي أي تجاوز الإقطاع كاملاً وبحسم في الاقتصاد، وكأي واقع استعماري أفضى النهب المنظم للموارد وانعدام حيازة أبناء الشعوب نفسها لمواردهم على شكل دولة مستقلة وانعدام إدارتهم لها ولاستغلالها محلياً إلى مصادرة واحتجاز شروط تطور المجتمع ككل.

وعاشت الشعوب العربية في الشام تحت الحكم التركي واقعاً رديئاً، وفشل الإمبراطورية التركية في تطوير المجتمعات الواقعة تحت استعمارها انعكاساً لفشلها الحضاري الذي بدأ وأخذ في التنامي وصولاً للسقوط، فهي لم تحقق بالفعل تطوراً حاسماً من الإقطاع إلى رأسمالية حقيقية، بعد فترات مبكرة من الازدهار جاءت بهيئة انتصارات في التنافس الإمبراطوري مع القوى الأوروبية، وصبّت مكاسبها في مصلحة الباب العالي (الطبقة الحاكمة العثمانية) ومن يعيشون في مركز الإمبراطورية التركية، في حين ظلت الشام على تخلف عن العصر في الزراعة، بلا ميّكنة وتحديث، وبلا صناعة عصرية، وظلّت طبقات مجتمعها على التخلف البنيوي العام.

دخلت  الإمبراطورية التركية الحرب العالمية الأولى على حال من الانهيار استحال معه تحقيق نصر، وهو ذات الحال في الشام التي تم تقسيمها بعد انهيار الأتراك مناصفةً بين إمبراطوريتين أخريين هما إنجلترا وفرنسا، ومن ثم كان الواقع الشامي مؤهلاً بامتياز للوقوع في براثن استعمار جديد، وفي فلسطين كان المشروع البريطاني منذ اللحظة الأولى لاحتلالها وفرض الانتداب عليها، بل حتى قبل إقامة الانتداب “رسمياً” وبالكامل، هو انتزاع مساحة للحركة الصهيونية على أراضيها، وفي ظل بِنية التخلف، إرث الأتراك، احتاج الشعب الفلسطيني إلى 19 عاماً من بعد وعد بلفور 1917، لتقوم ثورته الوطنية الكبرى 1936 ضد الاحتلال والهجرات الصهيونية.

إنجلترا.. استعمار النهب والهيمنة وأدواتهما

كفل قيام الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948 لقوى الاستعمار الغربي العديد من المكاسب التاريخية المستمرة حتى الآن، لاسيما مع ثبات الواقع العربي المحيط بالكيان على تخلفه وضعفه، في طليعة المكاسب، وجود قاعدة عسكرية متقدمة لتحقيق وإقامة أهداف الاستعمار على الأرض في المنطقة العربية وعموم الشرق الأوسط، وضمان إجهاض مبكر لمحاولات شعوب تلك المنطقة نحو تجاوز واقع التخلف والضعف، بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة من التحالف والتكامل والتلاقي في الأهداف وتبادل المصالح، بين المنظومة الاقتصادية والمالية للحركة الصهيونية الأوروبية وبين الطبقات الحاكمة للاستعمار الغربي وقت قيام الكيان الصهيوني وإلى الآن، فضلاً عن الفصل الجغرافي بين أقطار عربية قد يكفل اتحادها في منظومة اقتصادية مشترَكة وسوق موحّد نقطة انطلاق نحو التطور، الذي يخصم من مصالح الاستعمار بديهياً ويفتح الباب أمام اتساع لقوى ونفوذ مصالح تلك الأقطار وشعوبها، ما يعيد للأذهان كون الاستعمار الإنجليزي والفرنسي الفاعليَن الرئيسين في القضاء على تمدد الدولة المصرية بمشروع محمد علي الذي مثّل، وبصرف النظر عن الطابع القَرابي العائلي والشخصي للمشروع، محاولة عملاقة لإقامة دولة مستقلة ذات علاقات نديّة مع إمبراطوريات أوروبا، دولة تتحكم في مواردها وتتجه للتحديث بل والتمدد للدفاع عن مجالها الحيوي ومصالحها الاستراتيجية، وتتمتع بالفُتوة والقدرة على تنويع الخيارات ببِنية واتجاه يجعلها أخطر على إمبراطوريات أوروبا من وضع خصمها الأضعف المتهالك أي الدولة العثمانية.

دأب الاستعمار الإنجليزي على أسلوب تكوين أدوات فاعلة له يطول اعتماده عليها لتحقيق أهدافه أو يقصر، تعمل على دعم أهدافه وعمله، وعملت جيوش إنجلترا في فلسطين على توسيع وتنظيم الهجرات الصهيونية، التي بدأت قبل ذلك بنحو ثلاثين عاماً، في الفترة من بداية فرض الانتداب عام 1920 حتى الانسحاب عام 1948، مروراً بثورة فلسطينية ضد الهجرات الصهيونية تم قمعها بريطانياً وصهيونياً بالقوة العسكرية وبدعم ممالك الأردن والعراق والسعودية “العرب” ومروراً بقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، بحلول منتصف عام 1948، كان الكيان الصهيوني يمتلك أرضية وهيكل على قدر كبير من الجهوزية للقيام والحياة، وحتى اللحظة لم يزل الكيان في خدمة من وفّروا الشروط الأولية والضرورية لنشأته ويساهمون في بقائه آمناً واستقرار قوته ونفوذه.

موضوعات متعلقة

The post الاستعمارَين التركي والبريطاني مقدمة لنكبة 1948 appeared first on البديل.


ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة عربي التعليمية 2015 ©