باغتني إحساس مر وأنا أطالع أحوال أمتنا وهي منخرطة في حروب وصراعات داخلية تنفق فيها الأموال بسخاء فقط على الموت، أما الحياة اللائقة بنا كأبناء دين سماوي قيمه الرحمة والعدل والحرية والشورى، فلا تجد من ينفق عليها أو يسعى نحوها.
قضية العرب والمسلمين المركزية كانت هي فلسطين، الجرح النازف منذ عقود كانت إسرائيل هي قاعدة التآمر على العرب والمسلمين، التي زرعها الاستعمار البريطاني ورعاها الاستعمار الأمريكي الذي ورث أدوار بريطانيا، التي أعطت فلسطين لليهود لتحمي أمريكا عبر عقود هذا الكيان اللقيط، الذي تراجعت مخاوفه من أن يرميه العرب في البحر، لتتحول طموحاته وخططه فقط في رمي العرب والمسلمين في بحر الخلافات المذهبية الزائفة، بعد أن نجحت خطة إسرائيل في اختراق كل أوراق اللعب على مهل وبدأب شديد وتظهير إرادة كل القوى الإقليمية لصالح مخطط واحد، يستهدف زرع بذور الشقاق بين كل الأطراف ليشتعل صراع ممتد بامتداد الخرائط القديمة، التي تطوى لحساب خرائط وتحالفات جديدة تلحق فيها المقاومة بالإرهاب، ويصبح الدفاع عن الحقوق المستباحة لونا من ألوان التطرف الذي يستوجب رص الصفوف في مواجهته.
لم أتعاطف مع تقسيم البعض لنا بقوى الممانعة وقوى الاعتدال، حتى شهدنا في الأخير كيف تمت تعبئة كل القوى لحساب تشكيل تحالف جديد، يستبدل عداوة إسرائيل بعداوة إيران الدولة المسلمة، يبدو أن همة المعسكر الغربي الذي تقوده إسرائيل وأمريكا تتجه إلى إخراج كل شيء للعلن واللعب على المكشوف، وتجييش القوى لمواجهة إيران ثم كل القوى المقاومة والداعمة للمقاومة، التي سيتم إلحاقها بداعش في خلط مكشوف بين المقاومة والإرهاب، بعد أن تم إضعاف العرب إلى حد الإعياء عبر إخراج سوريا والعراق من دائرة المواجهة مع إسرائيل وإضعاف جيوشها، الخطة الآن إنهاك ما تبقى من الجيوش العربية وفائض القوى الإسلامية في حرب تلحق إيران بمصير سوريا والعراق، ويبدو حجم التعبئة والتسليح المرصود للخطة التي تتخفى خلف مكافحة الإرهاب كافيا بالفعل لإخراج جميع الأطراف خاسرة وغير قادرة على أن تبقى دولا حقيقية، في مواجهة دولة ستبقى الأقوى الأكثر سيطرة على الجميع هى إسرائيل.
في السابق، تم دفع العراق خلال عهد صدام حسين دفعا لحرب الثماني سنوات، حتى لا تبقى قوى في الإقليم قادرة على النزال مع إسرائيل فيما عرف بحرب الخليج الأولى، بعدها استدرجت أمريكا صدام حسين من جديد لاجتياح الكويت لتبدأ المرحلة الثانية من الخطة، التي تقضي بإخراج العراق من مصاف الدول وإعادته إلى العصور الوسطى، وتنشيط الفالق المذهبي والطائفي الذي أنتج فيما أنتج التطرف والإرهاب في العراق، وخلق حاضنة لتطرف وإرهاب سني استدعى تطرفا شيعيا، أنتجا معا محرقة راهن عليها طويلا أعداء أمتنا، ولعل بن جوريون كان واضحا في تغليب هذا المنطق والمنهج في الحرب على دول المنطقة، مضى المخطط عبر توظيف داعش لتكون رسول الفوضى وقلم الاستعمار الذي يرسم الخرائط الجديدة، ومضت خطة الإنهاك إلى غايتها، لكن بروز قوة إيران النووية وإصرارها على دعم المقاومة عبر حماس والجهاد وحزب الله أربك خطط أمريكا، وتكفلت مشاهد العز الاستثنائية التي سطرها حزب الله وحركة حماس والجهاد في استعادة ثقة قطاعات بعدالة القضية وإمكانية المقاومة وردع الأعداء، وكان هذا الأمر الجلل الذي أنتج بالمقابل إعادة بناء التحالفات التي تقاطعت مع نوايا أنظمة أصبحت كالميت الذي ينتظر الدفن، والتي مارست لونا هداما من ألوان التآمر على الأمة رغم دعاية كثيفة حجبت التآمر.
متى كان التحالف مع الأعداء تقوية للصف أو مضيا باتجاه الأهداف القومية العليا؟ كيف يجد هذا المنطق أتباعا على تلك الساحة الواسعة، خمسون دولة تم شحنها في مؤتمر سمى بالقمة العربية الإسلامية الأمريكية.
هل لمح أحدكم شيئا عربيا أو إسلاميا في تلك القمة سوى أقداح القهوة وأغطية الرؤوس والعيون، يمضي ترامب ليجمع الجزية قبل أن يصل مباشرة إلى حائط البراق ويعتمر طاقية الحاخام، مقدما فروض الولاء لحكام المنطقة الجدد مجددا الدعم السخي الذي قدمه العرب، لتصبح إسرائيل أقوى وأغنى وأكثر أمنا، وتدور ماكينة الحرب لتلتهم أي فرص للنجاة لتلك الشعوب المنكوبة بحكام باعوا أنفسهم للشيطان وصدقوا أعداءهم وكذبوا ربهم وأمتهم ويمموا وجههم نحو البيت الأبيض القبلة الجديدة التي تتنكر لقبلتنا الأولى والثانية.
مازالت قضيتنا هي الديمقراطية والحرية، التي بإمكانها أن تترجم إرادة الشعوب في اختيار من يصلح لحكمها ورسم معالم مستقبلها، أما هؤلاء الوكلاء الذين يخشون أمريكا ولا يخشون الله ولا شعوبهم، فلن يعملوا سوى لمن يخشونهم والله أحق أن يخشونه إن كانوا مؤمنين.
هل سيأتي وقت نفيق ونمسح هذا العار عن جباهنا؟ أشك وأخشى أن نتجرع الكأس المترعة بالخيانة حتى الثمالة فلا يبدو في الأفق صوت يعلو على صوت التفريط والخيانة.
إنّ لله وإنّ إليه راجعون!!!!!
The post متى نمسح كل هذا العار؟ appeared first on البديل.
ليست هناك تعليقات