الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

آخر الرجال المحترمين

البديل
آخر الرجال المحترمين

بعد حلول ليل الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، انقطع ودون سابق إنذار الإرسال العادي لمحطات الراديو والتليفزيون في مصر، لتبدأ تلاوة القرآن الكريم، وبعد دقائق صدق القارئ، وظهر نائب رئيس الجمهورية أنور السادات ليعلن وفاة الرئيس عبد الناصر.

“فقدت الجمهورية العربية المتحدة وفقدت الأمة العربية وفقدت الإنسانية كلها رجلا من أغنى الرجال، رجلا من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبد الناصر”، قالها السادات بصوت باك، لينتقل البكاء والنحيب كل العواصم العربية، على فقدان الرجل الذي رغم هزيمته في 1967 أمام إسرائيل ظل بسطاء العرب يعتبرونه رمزا للكرامة العربية.

حسم تشييع جنازة عبد الناصر الجدل حول شعبية الرجل الذي طالما وصفه خصومه في الداخل والخارج بـ”الطاغية المستبد”، فالرجل شارك في تشييع جثمانه نحو 6 ملايين مواطن.

في اليوم التالي للجنازة قالت مجلة نيوزويك الأمريكية، إن “العالم لم يشهد جنازة تماثل في ضخامتها جنازة عبد الناصر”، مضيفة: إن “جنازات كيندي وستالين وكمال أتاتورك تبدو كصور فوتوغرافية إذا ما قورنت بجنازة عبد الناصر.. لقد أحس العرب أنهم فقدوا الأب والحامي لهم”.

وكتبت صحيفة “الجارديان” البريطانية، تقريرا تحت عنوان: “جنازة ناصر اكتظت بالحشود الباكية.. جنازة لم يذكر التاريخ قبلها جنازة بهذا الحجم”.

ووصفت الصحيفة في تقريرها، الذي أعده كل من هارولد جاكسون وديفيد هيرست، الجنازة بأنها: (الجنازة الرسمية المذهلة والأكثر إثارة في العصر الحديث، وأن ملايين المصريين المتواضعين خرجوا لتوديع زعيمهم الذي أحبوه طوال ١٨ عامًا، إلي جوار حشود من القادة وزعماء العالم”.

أما “التايمز” فقالت: إذا كانت عظمة الرجال تقاس بقدر الفراغ الذي يتركونه بعد مماتهم، فإن ناصر يعتبر بحق أعظم الرجال.. كان تأثيره كبيرا، يمد ظلاله من الشرق الأوسط على قارات المنطقة ، واحتل مكانة كبيرة.

وجاء في “الديلي تلجراف”: صحيح أن ناصر وحده كان يستطيع أن يقنع كل العرب بالتوصل إلى سلام دائم مع إسرائيل، ولكنه أيضا كان الوحيد القادر على أن يجعلهم يحاربون إلى آخر المدى.

ووصفت “الواشنطن بوست” ناصر بصاحب الموقف السياسي البارز الذي اختطفه الموت وهو يحاول حقن الدماء في الأردن “كان ناصر دائما في القمة وقد سجل له التاريخ مآثر كثيرة”.

الكاتب والمؤرخ والأديب الفرنسي «جان لاكوتير» وصف أحداث تشييع جنازة جمال في كتابه «ناصر» بقوله «إن هذه الجموع الغفيرة في تدافعها الهائل نحو الجثمان إلي مثواه الأخير لم تكن تشارك في تشييع الجثمان، لكنها كانت في الحقيقة تسعى في تدفقها المتلاطم للاتصال بعبد الناصر الذي كانت صورته هي التجسيد المطلق لكينونتها ذاتها. لقد قفلت الآن الدائرة ولكن ماذا تحوي في داخلها؟ 23 يوليو.. باندونج.. السويس.. السد العالي.. دمشق.. الجزائر.. قوانين 1961. إن كل ذلك قد أصبح الآن تاريخا، لقد مضت فترة الانتقال من عهد الملك الدمية إلى الجمهورية والعروبة والاشتراكية، لكن ما هو باق هو صورة عبد الناصر وما أصبحت ترمز إليه من الإحساس بالكرامة وروح التحديث والشعور بالأهمية الدولية».

اعترف خصوم عبد الناصر بعظمته.. المختلفون معه ومعارضيه اتفقوا على قدر الرجل صاحب الحلم والمشروع.. أصاب وأخطأ.. نجح وفشل، دخل عبد الناصر التاريخ بانحيازاته وإنجازاته ومعاركه منتصرا كان أو مهزوما، فُحفر اسمه في ذاكرة التاريخ.

The post آخر الرجال المحترمين appeared first on البديل.


ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة عربي التعليمية 2015 ©