الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

مستقبل تركيا يتراجع إلى الوراء (مترجم)

البديل
مستقبل تركيا يتراجع إلى الوراء (مترجم)

يوجد في وسط العاصمة التركية، أنقرة، تمثال منحوت من البرونز لسيدة صغيرة تقرأ كتابًا، وهو من تصميم النحات التركي، ميتين يوردانور، وهذا التمثال يعد أحد رموز حقوق الإنسان، حيث إن الكتاب الذي تقرؤه السيدة هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بدأ بناء هذا التمثال في عام 1990، وهو يمثل أيضًا اختلاط الثقافات في تركيا، حيث الشرق والغرب، العادات القديمة والحداثة، الدين والعلمانية، قد يكون هذا الاختلاط محيرًا، ولكن الأتراك لا يكترثون لذلك، فكونك تركيا يعني اختلاط الهوية.

حَظِيَ التمثال على مدى سنوات بسمعة سياسية، ففي كل مرة كانت تكثف فيها الحكومة التركية قمعها على المناطق ذات الأغلبية الكردية في تركيا، يذهب الأكراد إلى نصب حقوق الإنسان في أنقرة؛ للاحتجاج وإصدار البيانات الصحفية، وحذا حذوهم العلمانيون والطوائف الدينية التركية، وجماعات حقوق المرأة، وأي شخص يعتقد النظام أنه سيتمكن من إسكات صوته.

شهد التمثال في العام الماضي الكثير من المظاهرات أكثر من أي وقت مضى، وفي أعقاب محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو 2016، أعلن رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي حالة الطوارئ في البلاد.

أدانت كافة الأحزاب السياسية التركية محاولة الانقلاب، واتحد اليسار واليمن، ولكن هذا الانسجام لم يدم طويلاً، وبدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم في عملية تطهير واسعة النطاق، ومنذ الصيف الماضي تم فصل 150 ألف شخص من وظائفهم، وألفي القبض على 50 ألفًا آخرين.

كانت حملة أردوغان قاسية، واستهدفت بشكل خاص الصحفيين والكتاب والمثقفين، حيث أغلقت نحو 150 وسيلة إعلامية مختلفة، وحظرت موقع ويكيبديا، وسجنت أكثر من 150 صحفيًّا، وهناك العديد على القائمة السوداء.

استهدفت الحملة أيضًا الأكاديميين، لتوقيعهم على عريضة سلام، ليتعرض العديد منهم للفصل من منصبه، وقد انتحر اثنان منهم، وهما محمد فاتح تراس ومصطفى صادق أكداغ.

بموجب منطق سيادة القانون، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولكن في تركيا يحدث عكس ذلك، فجميع الناس اتهموا بارتكاب جرائم لا أساس لها، والمطلوب منهم إثبات براءتهم.

ومن بين مئات الأشخاص الذين نظموا احتجاجات واعتصامات حول نصب حقوق الإنسان أحد مدرسي المدارس الابتدائية، والذي فصل من وظيفته، ليعلن احتجاجه عند تمثال حقوق الإنسان، ويضرب عن الطعام، ولكن في مايو الماضي فرقت الشرطة الاعتصام، واحتجزت أنصاره، وحاصرت المنطقة، وسجنت زوجته.

يظهر المسار السياسي التركي للعالم مدى هشاشة الديمقراطية، ويحتاج النظام التركي للمزيد من الضوابط والتوازنات وإعلام حر ومجتمع مدني واعٍ للبقاء على قيد الحياة، ويصيب أردوغان اعتقاد خاطئ بأنه فقط يمكنه اكتساب شرعيته من خلال صناديق الاقتراع، في الحقيقة لا يمكنه ذلك، فعملية التصويت أحد مكونات الديمقراطية، كما أن الديمقراطية تتطلب الفصل بين السلطات وسيادة القانون وصحافة حرة، ولكن تم محو جميع هذه المكونات في تركيا.

ازدادت النزعة الدينية والقومية والسلطوية في تركيا، بالإضافة إلى التحيز الجنسي، لتحتل أنقرة المرتبة 130 من بين 144 بلدًا في التقرير العالمي عن الفجوة بين الجنسين، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بجانب انتشار التحرش الجنسي، وفي الآونة الأخيرة حاول حزب العدالة والتنمية تمرير قانون من شأنه أن يسمح للمغتصبين بتجنب العقوبة إذا تزوجوا من ضحاياهم، ولكن بعد الاحتجاجات، تم سحب مشروع القانون.

أصبحت تركيا أكثر إصابة بجنون العظمة، فقد باتت بلدًا يعتقل المعلمين دون سبب، ويحظر الكتب والأغاني، لا أحد يشعر بالأمان في هذا البلد، ولا أحد يعرف متى ستتحسن الأوضاع، ووجود الديمقراطية الهشة في تركيا أكد لنا أن التاريخ ليس بالضرورة أن يتحرك إلى الأمام، فأحيانًا يعود إلى الوراء.

المقال من المصدر: اضغط هنا

The post مستقبل تركيا يتراجع إلى الوراء (مترجم) appeared first on البديل.


ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة عربي التعليمية 2015 ©