البديل
فؤاد حدّاد.. حنين طفل خمسيني
حينما نريد الذِكر والسير في سيرته، وجَب علينا الوقوف وأداء النشيد الرسمي في مهابة وافتخار:
“مجنون عطشجي ولّا تحويلجي
فَتَح الإشارة الخضرا في الممنوع
كُل الدموع متّاخدة من تهريجي
متّاخدة من تهريجي كُل الدموع
يا حتّة من قلبي بتتقطّع
يا حتّة من قلبي أنا المقطوع”
هو فؤاد سليم حدّاد، الشاعر المصري “اللي مش مصري”، هو المواطن في سبيل الحلم والحالم في سبيل الوطن، خير من أعاد ترتيب كلمات جملته ليُنتج عنها معانٍ مغايرة في كُل مرّة، ولعلّنا هنا سنتحدّث بقصائده أكثر مما سنلقي بكلماتنا حوله.
“بَكيت… مسَحت دموعي
بَمسح دموعي… بَكيت”
اللاعب المُحترف بكلمات العاميّة المصريّة، ومن أعاد اكتشاف اللفظ وقوّته وفصاحته في اللغة الدارجة، فؤاد حدّاد هو أسطى أرابيسك من الطراز الأوّل ومهندس معمار العاميّة المصريّة في العصر الحديث، الذي أثبت أنه ليس هناك مستحيل في اللغة والكلمات والمعاني حينما ينبض القلب بشيء يود قوله.
لا شيء يقف في وجه حدّاد حينما يمسك بقلمه ويهِم بالكتابة، لديه قدرة سيظل يُحسد عليها إلى الأبد في تطويع الألفاظ لصالحه حتى وإن اضطر لابتكار كلمة جديدة من لفظ موجود بالفعل باعتبار أن اللغة العاميّة هي لغة تراكمية المُحتوى وتتطوّر باستمرار وليست لغة جامدة ومُغلقة على ألفاظ بعينها.
استخدم حدّاد لفظ “تلجليجي” حينما كان يتحدّث عن “اللجلجة” أي التقطيع في الكلام فحافظ على موسيقى النص وتأثيره البديع على من يقرأ، فهذا النص تحديدًا يحوي من المرارة بقدر ما يمتلئ من جماليات وعبارة “وكأنّي مش فاقس من البيضة، ولا عُمري خالص من تلجليجي” تحديدًا نستطيع أن نصنّفها كإحدى أذكى وأبدع أشكال التخييل في شِعر حدّاد الذي عُرف بالصور المُركبّة شديدة التعقيد.
“المَلحمة… أخلَد من التماثيل”
قالها حينما كان يتحدث عن الشهيد البطًل “محمد عبيد”، بطل ملحمة الثورة العرابية التي يروّج بعض دعاة الاختلاف والتميّز الأجوف اليوم ضدها حاملين على عاتقهم مهمة التشويه والتسفيه من شأنها. هنا تحدّث فؤاد حداد كشعراء السير الشعبية حاملي الربابة في الحديث عن الشهيد والملحمة والبطولة المُجهضة المكلومة، والتي تكالب عليها اليوم بعض هواة لوم الحق حين ينتصر الباطل.
يتلو حداد تلك القصيدة بعظمة وحماس كمن يقف على أسوار قلعة قايتباي ليشاهد بعينه قذائف الإنجليز أمام حصون المصريين ومقاومتهم الشعبية ليقول فيها العبارة الخالدة: “عظّم شهيدك، كُل دم يسيل على أرض مصريّة عظيم الجاه” ثم يختتم قصيدته البديعة بعبارة: “إيماني بالنَصر، قوّة مصر، في الإنسان” ليُلخّص كل الحراك الوطني المصري عبر تاريخه طولًا وعرضًا في ستّ كلمات فقط.
ولو تحدثنا عن الحنين في قصيدة حدّاد فنحن أمام فضاء واسع من التعبيرات والمعاني التي تحمل كل أنواع الحنين من الحنين للوطن، الحنين للحب، الحنين للطفولة والشباب وأيضًا الحنين للنفس… وهنا يتميّز حدّاد. تحدّث الرجل عن صباه وشبابه في الكِبَر كأفضل وأمتع ما يمكن أن يكون في هذا الصدد، ويتجلّى ذلك مثلًا في عبارة مثل:
“وتقول عليّا كبير السن
وأنا في قلبي ولد كتكوت
وتشوفني ببكي وبنعي وائن
والدنيا لسّة بنت بنوت”
وكأنه يعيب على العين التي تراه للوهلة الأولى رجلًا جاوز عامه الخمسين ولا ترى قلبه الطفل الذي رافقه حتى نهاية رحلته. ونرى أيضًا في قصيدة “الحلزونة” التي تحوّل اسمها اليوم إلى مزحة، وهي إحدى أجمل ما كُتب في العامية المصرية، ففيها يحن حدّاد إلى الطفل بداخله من خلال حوار بين شاعر مُسن وفتاة جميلة داخل سيّارة وكأن السيارة تعود به إلى طفولته ليتحول الموقف إلى فتاة تدلل طفل وتشعل له سيجارته قائلة:
“ولّع سيجارة، ولّا مش هتولّع؟
راجعلي بعد المدرسة تتدلّع؟
دخّانك اسود يبقى قلبك شايل
لكن هسيب حضني في حضنك مايل
اكمنّش التفكير في حل المشاكل
ده هَمّ طيّب من هموم الحياة”
هذا هو فؤاد حدّاد، فخر الصناعة المصرية والأصول اللبنانية ومواليد حي الظاهر العتيق. هو المولود غارقًا في بحر الحياة وهو خير من يعرفه الذي قال:
“ولقيتني زي الجمَل طالع جبَل قلقان
واللي انكتَب ع الجبين يشهد عليه النَحر
ما يعرف البَحر…
غير اللي اتولَد غرقان”
The post فؤاد حدّاد.. حنين طفل خمسيني appeared first on البديل.
ليست هناك تعليقات