البديل
«جسد غريب» يناقش قضايا الهجرة غير الشرعية والتطرف
يتخطى الفيلم التونسي جسد غريب “Forgin Body” نطاق الدولة المنتجة له، ليتعمق في القضايا التي تعاني منها المنطقة العربية بشكل أكبر، وذلك بعد قيام ثورات الربيع العربي، إذ يتناول قضية الهجرة غير الشرعية وعواقبها والفقر والبطالة وحلم التحرر من القيود والإرهاب والأفكار الإرهابية، التي باتت تهدد الشرق الأوسط، وتمثل خطرًا كبيرًا عليه، بالإضافة إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية للأبطال والظروف المحيطة بهم، حيث تشهد الدورة الـ39 من مهرجان القاهرة السينمائي عرض الفيلم ضمن فعالياته، والتي تنتهي 30 نوفمبر الجاري.
وينطلق “جسد غريب” من مشهد مأساوي هو لحظات غرق المركب الذي ينقل المهاجرين التونسيين إلى إحدى الدول الأوروبية، الهاربين من الفقر والتهميش والبطالة والمصير المظلم إلى مصير أظلم، فهل سينجون أم سيموتون غرقًا؟ لحظات كرت على الشاشة لسقوط الجميع من أعلى المركب الذي ينقلهم. هم يحاولون النجاة، ولكن الموت لم يترك إلا شخصًا واحدًا، هو بطلة الفيلم.
ركز ذلك المشهد، الذي لم يستغرق على الشاشة سوى 5 دقائق، على مخاطر الهجرة غير الشرعية، والتي بالتأكيد تؤدي إلى الموت، وكيف يصارع هؤلاء الشباب بالهروب من بلادهم وأوطان بطرق غير سليمة، بالإضافة إلى المعاناة الإنسانية التي خلقتها تلك الطريقة فى السنوات الماضية، حيث تبدأ قصة الفيلم مع الناجية الوحيدة “سامية”، وهي فتاة عشرينية.
تجسد الممثلة التونسية سارة حناشي دور “سامية”، التي هربت مع المهاجرين إلى فرنسا بعد الثورة، وذلك بسبب الخوف من أخيها المتشدد دينيًّا، والذي تسيطر عليه الأفكار التكفيرية، والذي يتواجد داخل السجن بتهمة الإرهاب، ولكن أثناء الثورة التونسية هرب من السجون عدد كبير من المساجين، لذا اضطرت “سامية” للهروب، بعد أن عانت من أخيها الذي عذبها، وحرق جسدها، وتسبب لها فى معاناة نفسية لا تنتهى.
وبالفعل تصل الفتاة إلى فرنسا، وهناك تلتقي بصديق أخيها الذي يحمل نفس الأفكار، ولكنه يحاول أن يظهر عكس هذا، وأنه تحرر من تلك الأفكار التكفيرية، وتطلب منه المساعدة لكي تجد عملًا، ولكنه يحاول أن يسيطر عليها هو الآخر، لتتركه وتذهب تبحث عن فرصة عمل تساعدها فى تدبير أمورها بعيدًا عنه، حتى تلتقي بسيدة خمسينية تطلب معينة منزلية.
وهنا يسلط الفيلم الضوء على مشكلة أخرى، وهي أزمة العمل فى الخارج للهاربين بطرق غير شرعية والذين لا يحملون أوراقًا رسمية، مما يجعلهم مهددين من السلطات التي سوف ترحلهم من البلد في أي لحظة، وتتعثر مهمة العمل بعض الوقت لـ”سامية” بسبب الأوراق؛ لرفض السيدة اصطحابها إلى المنزل وهي لا تعلم عنها أي شيء.
يعالج هذا الجانب بالعاطفة البشرية عندما تجد السيدة أن تلك الفتاة ليس لها مأوى وتنام في الشارع؛ خوفًا من الرجوع إلى جارها القديم “عماد” صديق أخيها، فتنتظر في الشارع حتى لا يمسها مكروه، ويعكس الفيلم نقطة هامة، وهي كيف يكون الشارع أكثر أمانًا من التواجد في مكان يوجد به شخص يحمل أفكارًا متطرفة! ومن ثم توافق السيدة المرموقة والتي تعيش حياة مرفهة، وتباشر عمل زوحها المتوفي، بأن تسمح لتلك الفتاة بالعمل لديها.
هنا تنشأ علاقة ودية بينهما، حيث تجد كل منهما فى الأخرى المستقبل الذي تحلم به، إذ تحلم الفتاة بأن تكون سيدة مستقلة وصاحبة مركز ومكانة اجتماعية ورفاهية، بينما الأخرى تجد فيها الشخصية القوية العنيفة التي تريد أن تثبت نفسها، وتتحمل أعباء أسرتها وتعيش حياة بسيطة.
وعلى الرغم من هروب “سامية” من أخيها، إلا أن هاجسًا يؤرقها بأن شقيقها المتشدد قد يلاحقها خفية، ويظل الخوف يملأ قلبها ويلاحقها من مكان إلى آخر، وما إن تقابل أحد أبناء قريتها فى الغربة من الذين كانوا أصدقاء مقربين من أخيها، حتى تهرب منهم.
ويظل “عماد” يطارد “سامية”، حتى يعلم مكان عملها الجديد، وتسيطر عليه مشاعر الحقد والغل والتطرف الديني، ويبادر بضربها، ويصفها بأنها فتاة سيئة السمعة، وتستمر الأحداث بينهما، وتتدخل السيدة التى تعمل لديها، وتؤوي الثنائي داخل منزلها، ولكن لا تجتمع تلك الأفكار التكفيرية مع أفكار معتدلة فى منزل واحد، لذا تصعب الحياة بين الثلاثة.
وفى الوقت نفسه تعلم “سامية” بوفاة أخيها الذي كان الدافع الرئيسي في هجرتها، لتعود إلى تونس لمواساة أمها، وتترك المخرجة النهاية مفتوحة للمشاهدين، ليتساءلوا: هل ستبقى الفتاة فى وطنها بعد موت أخيها والتخلص من هذا الماضي السيئ، أم ستعود مرة أخرى إلى فرنسا، وتحاول أن تكون سيدة ناجحة، أم ستنتحر بسبب المعاناة النفسية التي عاشتها؟
يعكس اسم الفيلم “جسد غريب” الغربة التي يشعر بها المهاجرون حين الوصول إلى بلد غريب عليهم، وحالهم فى محاولة التأقلم والبحث عن أنفسهم فى تلك الدول، ليغوص الفيلم فى خبايا المعاناة الإنسانية، ويتطرق إلى أبعاد اجتماعية وسياسية، ولكن بطريقة غير مباشرة، ليكون عملاً متكاملاً، يحمل رسالة، ويركز على أبعاد وأزمات معاصرة.
“جسد غريب” من إخراج وتأليف رجاء عماري، بطولة هيام عباس، سارة حناشي، سليم كشيوش، ويحمل الفيلم تصنيف (+15)، وشارك الفيلم فى عدد كبير من المهرجانات الدولية، من بينها: مهرجان (دبي) السينمائي بدورته الثالثة عشرة، ومهرجان الفيلم الإفريقي بلندن، وضمن المسابقة الرسمية لـمهرجان السليمانية الدولي للأفلام بالعراق، كما حصل على عرضه العالمي الأول من خلال مهرجان تورونتو السينمائي الدولي.
The post «جسد غريب» يناقش قضايا الهجرة غير الشرعية والتطرف appeared first on البديل.
ليست هناك تعليقات